التجسيد العملي للأقلمة: الحكومة اليمنية ومحافظة حضرموت

10:10 2019/10/02

لم يمضي الكثير من الوقت على رفع أبناء محافظة حضرموت بجملة من المطالب سنذكرها لاحقاً، حتى استجابت الحكومة من فورها. الجديد والمهم ليس هنا فاستجابة الحكومة أمراً طبيعياً وواجب وظيفي يشرعن لوجودها، عدا أن هناك أمر ينبغي التوقف عنده والحديث عنه اقتناصا لفرصة بلورة أنوية الفيدرالية، الفيدرالية التي أشعل الحوثيون حرباً عليها. اتخذت الحكومة رزمة من التغييرات الأخيرة في البنك المركزي والمالية كانت هذه التغييرات، بحسب بيان محافظ حضرموت، إحدى التصحيحات المتخذة لتصويب الأخطاء الحاصلة ومنها تأخر تحويل دفعة من حصة النفط لمحافظة حضرموت ، ودفعة من قيمة فاتورة المازوت وتأخر صرف رواتب ثلاثة أشهر لجنود وضباط المنطقة الثانية ، وقد أثبتت التغييرات الجديدة رجاحتها وعمليتها في حلحلة الكثير من القضايا وتدبير حلولاً لها ، وجاءت هذه القرارات التي من شأنها خدمة المحافظات بعد انتهاء الأزمة التي كانت تتلخص بتحكم حافظ معياد بالقرار في البنك المركزي ، والذي كان يسيطر على كل شيء ويتسبب في توقف الكثير من الدعم لمختلف القطاعات . في سياق موازي يبدو أن الحرب التي يسلكها هادي مع الإنقلابيين تُقاد بمنحى يؤدي إلى الفيدرالية فور انتهائها، هذا ما يلوح على الأرض يوماً تلوى الآخر ، لتأتي رئاسة الحكومة ممثلة بالدكتور معين عبدالملك لتؤكد الأمر بتحركاتها السياسية و الإقتصادية وطرقها في الإتصال والتواصل بممثليها ومكاتبها في المحافظات اليمنية. لا يخلو خطاب لهادي لا يفرغ فيه مساحة كبيرة للحديث عن الفيدرالية ولا يتردد في بث تطمينات كنا نفكر في ظل تعقيدات الوضع واستطالة الحرب أن تحقيقها يحتاج لمعجزة كبيرة. لكن من الأمل الجيد والجميل أن نتوصل الآن لحقيقة مفادها: يوظف هادي الحرب باعتبارها لا طريقاً للتحرير فحسب بل في الوقت ذاته اسقاطا عملياً للفيدرالية. سارعت الحكومة لتحقيق مطالب أبناء محافظة حضرموت، وما بين الإفصاح عن المطالب وتحقيقها جرت عدد من التغييرات والكثير من الاتصالات المستمرة التي أجراها رئيس الوزراء مع السلطة المحلية في حضرموت. ما يميز معين عبدالملك كرئيس وزراء عمن سبقه ؛ أنه لا يتخذ قرارات فورية استعراضية واعتباطية من موقعه كمسؤول بل قرارات مدروسة ومتأنية ومنهجية من موقع المسؤولية للخروج من محاولات التأزيم والتأجيج والمعلومات المنقوصة والمغلوطة في ظل الاستقطابات الجهوية والحزبية ظهر هذا في الكثير من القضايا، وهذا هو بالتوظيف الأكاديمي العلمي وخبرة إدارة الدولة في حل المشكلات إضافة لخبرات لجنة الدستور الاتحادي التي ناقشت تجارب الدول في اللامركزية وقياسها بالواقع اليمني. ومن الجيد أيضاً التركيز هنا على أن الحكومة هذه المرة لم تكافئ من ثبت ضلوعهم في تأخير وصول استحقاقات حضرموت بأن أتاحت لهم فرص جديدة لإثبات الفشل بل اتخذت حلولاً جذرية، تغييرات وإلزام المعنيين الجدد بإيجاد حلول سريعة وعاجلة كإختبار كفاءة لقبولهم في المنصب. من الجانب الآخر سارعت السلطة المحلية في حضرموت ممثلة بمحافظها اللواء الركن فرج سالمين البحسني بإصدار بيان يخاطب أبناء حضرموت أولاً ويقدم شكره وعرفانه للحكومة ثانياً لاستجابتها للمطالب ولاتخاذها الإجراءات التي تحول دون عودة الإشكال. إن الخطوة التي اتخذها محافظ حضرموت لإيصال مطالب أبناء المحافظة وطريقته في التعبير عن تلبية الحكومة للمطالب ، تجلي وبلا شك الستار عن حكمة وخبرة الرجل ، والإدارة الذكية المسؤولة وجملة الصفات هذه هي ما يجب أن يتحلى بها كل محافظيّ المحافظات المحررة لضمان أمنها واستقرارها ولتجد الحكومة مساحة آمنة وغير مضطربة لمعالجة ملف ماتبقى من المحافظات غير المحررة كملف أبرز. إن الطريقة الحضارية في التواصل بين أبناء حضرموت وسلطتهم المحلية وبين السلطة الحضرمية المحلية ورئاسة الحكومة هي الإنعكاس الصوري المأمول والمعزز للفكرة والطريقة الفيدرالية التي تواصلت بها الحكومة مع السلطة الحضرمية المحلية ومواطني الحكومة من أبناء المحافظة والتي حققت مطالبهم من خلالها. عند مراجعة تحركات رئاسة الوزراء في أكثر من محافظة كعدن سابقاً وتعز ومأرب أيضاً ومن ثم شبوة مؤخراً وحضرموت أخيراً فإننا نتبين مدى حرص الدكتور معين عبدالملك على أن يكون لكل محافظة دورها الخاص في تجسيد فكرة الأقاليم و التوجه نحو تحقيق المطلب الجمعي بالتحول نحو النظام الفيدرالي. يوماً ما سيقول التاريخ أن الحوار الوطني ومواجهة الإنقلاب الحوثي وتحركات الدكتور معين عبدالملك هي من شكلت جذور التحول الفيدرالي والديمقراطي في اليمن.. والتأريخ بيننا!!