لماذا لا يغادر الأخدام مدينة تعز .؟!

09:10 2019/10/22

عبدالملك النمري
 
 
 
 
 
 
هكذا هم. الكبار قبل الأطفال، النساء والفتيان وحتى الفتيات أيضا. صحيح قد تصادفهم بهيئات حسنة وملابس مرتبة، غير أن هذا لا يحدث إلا في حالات نادرة وأوقات متباعدة  كالأعياد. ليبقى العري والثياب الممزقة والأوساخ حليفا مرافقا لهم  باقي أيام العام. 
لعل الفقر  هو حجر العثرة العنيد الذي يقف أمامهم فلا يستطيعون معه تحسين حياتهم ، أو هيئاتهم البشعة بالأصح، أو لربما يكون مرد ذلك إليهم أنفسهم إذ تصالحوا كليا مع ماهم عليه من قذارة.
أيا يكن السبب، ليس لدينا نحن  الأقيال والأشراف أقل اهتمام إزاءه. فهم ، على أي حال، يقطنون أماكن هامشية بعيدة، وهذا كاف لبقائنا في معزل عن عفونتهم. ثم ما  يجعلنا، أساسا، نولي حياتهم عنايتنا وننشغل بما إذا هي رغيدة أو بائسة؟! أوليسو  حفنة من الغرباء؟ اليست هذه الحقيقة غير القابلة للطمس؟
لا شيء يربطنا بهم لا اللون ولا طريقة التفكير ولا حتى لكنة الحديث، فضلا عن أنهم لا ينحدرون من أصولنا الرفيعة ذاتها، فمالذي يحفزنا إذا ويدفعنا ، بعد كل هذا، إلى التعاطف أو الغيرة عليهم.؟ إنهم  جماعة تائهة لا أكثر وقد كنا كرماء  بمنحهم أرضا ليستقروا ويتناسلوا فوقها كما الأرانب، مع فارق أن الأرانب بيضاء وديعة لا نمانع أن تشاركنا المسكن.!
 
لا أحد يدري على وجه الدقة متى قدم الأخدام إلى بلادنا أول مرة، خصوصا نحن أبناء هذا الجيل، بل وحتى المؤرخون أنفسهم تذبذبوا ولم يتفقوا على رأي واحد في هذا الخصوص. غير أنهم، وذلك ربما  الأهم بالنسبة لنا، اتفقوا بالإجماع  على أن ذوي البشرات السوداء وافدين غرباء. 
 
إذا أخذنا الرواية التاريخية الأكثر مصداقية فإنهم قدموا نحونا من البحر قبل مئات السنين. كانت بلادهم في ذلك الحين تدعى الحبشة  وكانوا  أقوياء  بما يكفي ليمسكوا زمام هذا البلد في فترة قصيرة ويصبحوا حكامه الفعليين. بيد أن سلطانهم لم يلبث أن  انهار تحت ضغط نضالنا نحن القبائل ساخني الدماء وملاك الأرض. ولأن دماءنا حارة كما أسلفت ولدينا نزوع للاقتصاص والثأر أكثر من أي شعب في العالم لم نتورع عن تحويل حكام الأمس إلى مجموعة من الخدم المضطهدين. 
 
انقضت السنوات والعقود دون أن يطرأ أي تغيير. نحن القبائل ذوي الحسب والنسب، أو بمعنى أدق السادة القادمين إلى الدنيا من أصول نقية وهم أراذل المجتمع. لكن ولمجرد أن العالم أزاح عنه الغلالة الرجعية المعتمة وراح التنوير يتدفق ليظيء حياة الأنسان، بدأ التغيير شيئا فشيئا بالظهور أيضا في بلادنا. لم تكن الاصوات المنادية بالمساواة والعدالة الاجتماعية بحاجة لفترة طويلة كي يتردد صداها واضحا هنا، كانت مسألة وقت فقط حتى دوت على نحو أزعجنا جدا.  كان من الصعب  علينا دون شك استيعاب تلك الأفكار المناهضة لفكرة تقسيم المجتمع إلى طبقات تراتبية، فتقبلها يعني أن نتنازل عن تفردنا ونهبط إلى القاع مع الخدم الغرباء. والأثقل من هذا  كنا مجبرين على اتباعها خصوصا  وقد تحطمت القوقعة وصرنا مكشوفين أمام العالم أجمع. 
 
حقيقة وقعنا في مأزق كبير، بيد أننا لم نعدم الحيلة، أولسنا أشرافا وذو أصول رفيعه أبرز ما يميزنا من صفات المكر والمكيدة؟! بتفكير واجتماعات مكثفة عثرنا أخيرا على طريقة نحفظ فيها موقعنا الاجتماعي السامق، ونبدي/نوهم العالم، في الوقت ذاته، أننا نسفنا التراتبية العرقية المقيتة. كان التغيير كالتالي: أعفينا الأخدام من الخدمات الشخصية وتركنا على عاتقهم مهمة خدمة البلاد ككل، أو ببساطة نقلنا عملهم من  المنازل إلى الشوارع والأماكن العامة على أن ننفحهم بمبلغ رمزية ختام كل شهر. 
 
 
كانت حيلة ناجعة وخبيثة، حذق وتذاكي باعثين على العار بالنسبة لعموم الناس ربما، أما بالنسبة لنا، نحن القبائل والأشراف فامتلاك بعض هذه الصفات السيئة مدعاة للتباهي، نحن نعتقد أن الغاية تبرر اللجوء إلى مختلف أنواع الوسائل، وقد بلغنا غايتنا المرادة بالفعل، وذلك آخر همنا. 
مضت الأعوام سريعة، نحن نأكل ونترفه وهم ينظفون بعدنا القذارة، يتلقطون الأكياس والمخلفات ويتخلصون منها بحرقها بعيدا، لم نهتم لتغيب أولادهم عن المدارس، كنا حريصين فقط على أن تبقى الشوارع والمتنزهات نظيفة ولامعة، وكما لم يكن لهم حضور في المدارس وهي الأماكن المشاعة، لم نسمح أن يشاركوننا المكاتب والوظائف. كنا صريحين للغاية، أنتم لستم منا، أنتم هنا لغسل الأوساخ، ذلك مالم تكن أقامتكم بيننا مؤقتة أصلا. 
 
حافظ الأخدام على هذا الاتفاق، عرفوا موضعهم الحقيقي وتوقفوا عنده، لعلهم أيقنوا أخيرا أنهم غرباء لا شيء يربطهم بنا، لا اللون ولا طريقة الحديث، ولا النسب، فعاشوا في أكواخهم المعزولة المشبعة بالقذارة. لا أدري هل آثروا النظافة على أنفسهم أم كانوا يعودون مساكنهم مكدودين بعد عملهم الشاق في رفع مخلفاتنا ليغرقوا في نومهم مباشرة.؟ استطيع أن أجزم بأنهم آمنوا أكثر منا بطبيعة علاقتهم بنا وبهذه الأرض، رفع المخلفات وتقاضي الراتب الشهري، بالتالي لم يطمحوا إلى أبعد من ذلك. 
 
بحكم أننا ملاك الأرض والطرف الأقوى في ذلك الاتفاف، كان من الطبيعي أن نقوم بنقضه، وحرمان أولئك الوضيعين من رواتبهم الشهرية. نحن أكثر من غيرنا نعلم أن تلك المبالغ البسيطة هي مصدر دخلهم الوحيد، وبدونها سينام أطفالهم بمعدات فارغة لأيام، مع ذلك قطعناها غير عابئين بشيء. كنا نقول في أنفسنا: حفنة غرباء قميئين، ليذهبوا إلى الجحيم! 
 
لكن المثير أنهم انتفضوا ضدنا وراحوا يطالبوننا "بحقوقهم" حسب تعبيرهم.  يالسخرية! هاقد صار الغريب يساءلنا بوقاحة. 
حاولنا تمرير الأمر وغض الطرف عن هذا التعدي غير الاخلاقي! لكنهم صعدوا وصاروا يضايقوننا بهتافهم أينما حللنا، بل واتتهم الجرأة للحديث إلى وسائل الإعلام بأننا لصوص.!! فكانت تلك علامة كافية لندرك أن هؤلاء جماعة مأجورة لتشويه صيت المدينة، بالتالي لم نجد بدا من قمعهم وتهديدهم بالسلاح والقنابل، ومصادرة معداتنا التي بحوزتهم. إننا نفضل تنظيف قذارة مدينتنا بأنفسنا على أن تأتي جماعة وتلوث سمعتها، فنحن لا نهتم بغير السمعة، السمعة يا أخدام.!
 
لماذا لم تغادروا بعد؟ ألا تكن هذه الأشارات كافية لتفهموا أننا صرنا في غنى عن خدماتكم؟ 
أنا أحدثكم في منتهى الصراحة، لقد حانت لحظة الرحيل. قد تشعرون أن كلامي جارحا، لكن تأكدوا أنه الحديث الأصدق والمتجرد من النفاق. أنتم في مجتمع يعيش ويموت بالنفاق، فلا تنتظروا منه أن ينجدكم. مجتمع كذاب، انتهازي يتقن الخذلان دائما. وإذا رغبتم التأكد من ذلك فاسمعوا هذا:
 
سيأتي  منهم ليوبخوني على كتابتي هذه، سيقولون أنني مزايد وان لغتي مسيئة وعنصرية ولا تخلو من التنميط. فهل تعتقدون ان ردة فعلهم هذه نابعة عن  تعاطف حقيقي وأنهم لا يستطعون رؤية مشاعركم تجرح دون تدخل منهم؟ او سيوبخونني لأنني كاشفتكم بالحقيقة، عريتهم أمام الجميع وفضحت خبثهم وأساليبهم في الخداع. أم تراهم سيجدونها فرصة وينتهزونها للظهور أمام المنظمات الحقوقية والعالم على أنهم  آلهة عادلة، كما اعتادوا أن يفعلوا دائما.؟!
على أي حال، ومهما اختلفت دوافعهم من مخاطبتكم بالفاظ وصفات مهذبة، هل يحسن ذلك من وضعكم المعيشي؟ هل 
 
أخيرا:
صحيح، أيها الأخدام، أنني أتكلم بلسان القادة والمسؤولين، لكن من المؤسف أن هذا لا يعني براءة المواطنين أبدا. لا لأنهم تواطؤا ضدكم، بل لأنهم كانوا سميتهنونكم تماما مثل القادة في حال وضعوا مكانهم. الأ تعرفوا ما قيل في الأثر: كما يكون الشعب يولى عليهم حكامهم. 
 
لقد حانت اللحظة التي عليكم أخبار العالم فيها أنه لا مقام لكم بيننا، أنكم منبوذون ومضطهدون، مسحوقون وتبحثون عن العدالة.