دكاترة الجامعات في اليمن بين شبح الموت ووجع الفقر والتشرد!

07:10 2018/10/29

المرصد نت/الجزيرة نت

بعزيمة وإرادة صمدت أستاذة التاريخ بجامعة صنعاء الدكتورة جميلة الرجوي أمام أكبر أزمة واجهتها في حياتها العملية.

لم تكن هذه الأكاديمية تتوقع أن يتوقف راتبها الشهري دون سابق إنذار، وأن تُترك وغيرها من أساتذة الجامعات، وهم نخبة المجتمع، يواجهون غول الفقر وشبح الجوع.

وكان قطع رواتب موظفي الدولة من تداعيات نقل الحكومة اليمنية الشرعية في أغسطس/آب 2016 مقر البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن.

وبانقطاع الرواتب عنهم، غرق مئات الآلاف من الموظفين وبينهم أساتذة الجامعات في دوامة الفقر والتشرد.

وضاقت سبل الحياة الكريمة بكل الموظفين بمختلف مستوياتهم ودرجاتهم العلمية والأكاديمية، واضطر الكثير منهم للتعايش مع العوز والفاقة.

معلمة بالابتدائية

ولأن الحاجة أم الاختراع، اضطرت الأكاديمية اليمنية جميلة الرجوي للبحث عن مصدر دخل جديد يوفر لها لقمة عيش كريمة لها ولعائلتها الصغيرة، فلجأت إلى العمل معلمة لطلاب بالمرحلة الابتدائية في إحدى المدارس الخاصة.

ورغم الفارق العمري بين طلاب الجامعة وتلاميذ المدارس الابتدائية، فإن الرسالة التعليمية والتنويرية كانت حاضرة في ذهن الرجوي وهي تعلّم أطفال الابتدائية.

ولم تستنكف الرجوي عن تعليم طلاب الابتدائية وهي الشاعرة والكاتبة والباحثة والأكاديمية الجامعية، وأن تقترب من صغار الطلاب وتعلمهم تاريخ اليمن القديم والمعاصر.

وكغيرها من أفراد الشعب اليمني الذين أصابهم الضر وأدخلوا عنوة دائرة الفقر بسبب قطع الرواتب وغلاء الأسعار نتيجة للحرب، لجأت لبيع ممتلكاتها لتدبير ما يسد رمقها.

وفي أوقات فراغها، وهي كثيرة، كانت تجد سلوتها في مكتبتها العامرة بالكتب التاريخية والأدبية والدينية والسياسية والعلمية، كما نشطت في التواصل عبر صفحتها على فيسبوك مع الأصدقاء ونظرائها من الشاعرات في الوطن العربي.

وبدأت الرجوي مؤخرا تفكر في الهجرة حتى لا تلتحق بأربعة من زملائها بجامعة صنعاء وافتهم المنية لأنهم لم يجدوا ثمن الدواء والعلاج.

كابوس أسود

وبسبب كابوس قطع الرواتب، آثر كثير من الأكاديميين وأساتذة الجامعات الهجرة، في حين تشرّد آخرون، وبعضهم لجأ لأعمال أخرى كالزراعة والبناء وحتى بيع الذرة الشامية في الأسواق.

غير أن الأكثر إيلاما أن يلقى أساتذة بالجامعة حتفهم بسبب أمراض نفسية وجسدية منها جلطات القلب نتيجة حالة الصدمة، بعدما منعت عنهم حقوقهم المالية قهرا وجبرا، حسب رئيس نقابة أساتذة ومدرسي جامعة صنعاء الدكتور محمد الظاهري.

كغيره من زملائه الأكاديميين، يعاني الظاهري شظف العيش. يقول بلوعة «عن تجربتي الشخصية أتحدث، كثيرا منا أمسوا يتضورن جوعا وغدوا يعانون بصمت، ولا يجرؤون على البوح بجوعهم والتأوه من أوجاعهم هربا من تشفي الأعداء وشفقة الأصدقاء».

ويبدو الظاهري -الممتنع عن الحديث للصحافة ووسائل الإعلام منذ عام 2014 بفعل أحداث الحرب وتداعياتها السياسية والأمنية-أكثر إصرارا على مواصلة دوره في رسالته التعليمية بجامعة صنعاء، وحتى دون أن يتسلم راتبه الشهري منذ عامين وأكثر.

ولا ينفك رئيس الأكاديميين الجامعيين يردد «باقون في صنعاء وإن عظم الخطر»، وينتقد بين فينة وأخرى أطراف الصراع الذين أودوا باليمن وأهلكوا الزرع والحرث وقبل ذلك الإنسان اليمني، ومزقوا نسيجه الاجتماعي وتراثه الفكري والثقافي.

قادة حرب

يصف الظاهري الواقع اليمني قائلا «لدينا في اليمن قادة حرب لا صناع سياسة، أهل سيف يؤجرون سيوفهم للخارجيين، بينما أغلبية اليمنيين واليمنيات ما انفكوا يتضورون جوعا، وتفتك بهم الأمراض والفقر».

وبالأسماء تحدث بحزن أن الموت قد اختطف مؤخرا ثلة من الزملاء الأعزاء في جامعة صنعاء، وهم محمد الخطيب من كلية الطب، وأحمد الدرويش وعادل العريفي من كلية العلوم. وأيضا عبد الغني علي سعيد من كلية الآداب.

في المقابل تحطمت نفسيات طلاب الجامعة الذين يعانون كمدرسيهم من تدهور الوضع المعيشي والاقتصادي، وغادر كثيرون مقاعد الدراسة والتعليم، ولجأوا لأعمال تقيهم الوقوع في براثن الجوع، فعملوا في المطاعم وعمالا في البناء وفرشوا البسطات بالشوارع وغيرها، ولم يعد المستقبل يعنيهم، فالواقع يخبرهم بما حل بنخبة مجتمعهم وأساتذتهم بالجامعة.